السيد كمال الحيدري

348

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)

عليه السلام أحداً ، إنه يعلم جيداً بأنَّ سرَّ بقاء اليهود في خدمته واستضعافه لهم هو ممانعته وسطوته وجبروته ، فإذا ما رفع يده عنهم قاموا مع موسى ولبّوا نداء الفطرة « 1 » . فوصول الدين كافٍ في الاستجابة له ، لا حاجة للإكراه عليه ، كما في قوله تعالى : لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ . . . ( الحديد : 25 ) ، فالبيّنات والكتاب والميزان ضمانة الوصول للدين والدخول فيه ، فلا معنى للإكراه عليه ، بل للآية الكريمة بقرينة قوله : وَأَنزَلْنَا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاس دلالة مهمّة تُوافق ما فيه من صورة مواجهة الممانعة من وصول الحقّ وحجب الناس عن الاستجابة لدواعي الفطرة ، فالحديد الذي فيه بأس شديد يحكي السيف والقوّة . وبالتالي فإنَّ أداء الرسالة ووصول البيّنات والكتاب وإقامة الميزان الحقّ ستوجد له موانع ، وهذه الموانع لابدَّ من إزالتها ، إنها الموانع الطاغوتية التي تحجب الناس من الوصول إلى الحقّ ، وتحجب الحقّ من الوصول إليهم ، موانع تكتم صوت الفطرة بالاستجابة ، ولذلك يأتي دور السيف والقوّة لإزالة هذه الموانع التي تحاول إطفاء نور الله تعالى ؛ أشباح استباحت كرامة الإنسان ، وقد جاء الدين القويم لاسترداد هذه الكرامات المهدورة على مدى الزمن ، يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ( التوبة : 32 ) .

--> ( 1 ) ولا ريب بأنَّ جميع الحكومات الفرعونية هي مصداق لذلك ، فلو خُلِّيت الشعوب ونفسها لانقضَّت على طغاتها ، ولكنَّ السطوة والجبروت والقتل والتشريد تقف مانعاً من ذلك ، ولعلَّ أشدّ ما يخشاه الحكَّام الطغاة في عصورنا هذه هو الدعوة إلى الانتخابات ، فإنهم يعلمون علم اليقين بأنهم لن يقبضوا منها غير السراب والمطاردة الشعبية والقضائية لهم ، ولعلّ العقد الثاني من الألفية الثالثة شاهد حيّ على ذلك . .